الإلحاد في مـــــصـر

الإلحاد في مـــــصـر

 

كتب : تامر خاطر

إن ظاهرة إلحاد الشباب المصري ليست وليدة الصدفة

ولكنها نتيجة منطقية لأسباب عديدة هيئت المناخ

ليتحول الإلحاد لأخطر إشكاليات دولة الأزهر والكنيسة

مصر المؤمنة تدخل إلي نفق مظلم من التمرد البشري

هل العقل نقيض للإيمان,وهل تعتبر العلمانية كفرا بالأديان!!

كلما اشتد التزمت  زاد الانفلات

كلما تعاظم التطرف  تعاظم الإلحاد

هل تمثل الظاهرة تطور تاريخي  للإنسان في العالم؟؟؟

أم تعبر عن أزمة العقل في الحضارة العربية الحديثة؟؟

متى تخرج  العقلية العربية من سجون النصوص البشرية

   هل يرتبط الإلحاد بالسؤال؟؟

هل غياب العدل الكوني من المنظور المادي سبب في الإلحاد؟

أولا: نبذة عن تاريخ الإلحاد في مصر

إن ظاهرة الإلحاد ليست وليدة تطورات الواقع فقط,,ولكنها قائمة منذ وجود ما يسمي الإيمان بدين ما منذ الديانات الأرضية مرورا بالديانات السماوية الثلاث,وإذا أردنا التحديد فسنجد البداية من قبل وفاة الأنبياء يظهر الملحدين برسالتهم ,

وفي الإسلام نري بداية الإلحاد والتأليه للبشر من السبئية أتباع عبد الله ابن سبأ,

ثم أحداث الفتنة الكبرى ومعارك صحابة النبي ,ومقتل الصحابة علي أيدي الصحابة ,

ورفع المصاحف علي أسنة السيوف,ومعركتي (الجمل,وصفين) …

فقد وضح بصورة شديدة أن الصراع قائم حول الحكم والكراسي ,وأن التشيع أو أهل السنة والجماعة ومختلف الفرق المتفرقة بالمئات كانت من أجل الحكم وليس دفاعا عن الدين ,

وكل فرقة تظهر وتخفي من الدين ما تريد وما يخدم مصالحها , فلا مذهبية في الإسلام

(دين البشر) وحديث(الفرقة الناجية)يؤكد ذلك وهو الحديث الذي يستند إليه جموع المختلفين ,وتأكيد كل فرقة إنها الفرقة الناجية,ومثلما حدث مع الإسلام حدث في المسيحية.  

حتى إنك أصبحت لا تستطيع الوصول إلي ما يعبر عن كل ديانة بألف ولام التعريف!!

هذا هو الإسلام,’ أو هذه هي المسيحية ,,

ولكنها فرق ومذاهب وعصبيات قبلية تتنازع علي الملك والسلطان ,ولا تتنازع علي الدين وأصوله فإن هذه الحالة موجودة وتطورت فيما قبل العصر الحديث ,علي سبيل المثال: “الدهريون” القائلون: لا إله والحياة هي المادة,

أما في العصر الحديث فقد بدأت المعارك من المحاضرة التي ألقاها أحمد زكي أبو شادي بعنوان” عقيدة الألوهية” 3/11/1936 بالإسكندرية

فلما قرأها د:إسماعيل أدهم رد عليها بمقالة ” لماذا أنا ملحد”

وهو المقال الذي رفض فيه قيام الكون الطبيعي والبشري علي قانون السببية,وعلاقة الأسباب بالمسببات.واضعا بدلا من ذلك قانون الاحتمالات رافضا وجود سبب أول لكل الأسباب التالية

وتحدث فيها عن خطته القائمة علي التوفيق بين الدين وحقائق العلم فكلما تشرب الإسلام بالعلم ازداد نفعا,وقوة علي مسايرة الحياة,وكذلك نقد أبو شادي في قوله:

أن التدين جبلة يولد الإنسان عليها,وراح يقلب في ذكريات طفولته ليدلل إنه كان شكاكا وملحدا منذ طفولته,وكان يضيق نفسا من حفظ القرآن ,الصلاة ,والصوم,وإن تعاليم المسيحية البروتستانتية,وكتابات إسبنيوزا في نقد الكتب المقدسة,شكوك”ديفيد هيوم”في عقيدة الألوهية ,وأراء داروين,وسبنسر ,وأوغست كونت في تفسير الوجود,وتطور المجتمع كانت أقرب إلي نفسه من القرآن والسنة

ومن معركة إسماعيل أدهم, مع أحمد زكي أبو شادي إلي معركة نصر حامد أبوزيد في نقد الخطاب الديني ,والثورة الكبرى ضده من علماء السلطان والأزهر وتكفيره والفصل بينه وبين زوجته,وترحيله خارج البلاد,وتهمته كانت مخالفة الإجماع,وهي لعبة محاصرة العقل في أطواق الإتباع دون اجتهاد ,وتحليل للنصوص والشرائع في ضوء التطور البشري وليس في خلفيات الماضي الحجري ,ومعاقبة نصر أبو زيد لم تكن علي الاجتهاد الديني بقدر ما كانت انتقاما من النخبة الفكرية والدينية المسيطرة علي عقول المصريين خاصة والمسلمين عامة وكشفه ورقة التوت عن مفكرين وعلماء اليمين واليسار,ومختلف الاتجاهات ,

واستخدامه لنظريات علم اللغة,وما كان أحوجنا أن نبدأ تحرير وتطوير الفهم والخطاب الديني منذ نادي أبو زيد بذلك ولكننا رفضنا وبقينا مثل الضحية التي ترعي قاتلها…

مجتمعات  رفضت العقل فاستعبدها الجهل,,

مجتمعات قدست الموت ,وهربت من الحياة مع سبق الإصرار والترصد

 وفي ظل الغياب التام للتجديد والتطوير في الخطاب الديني ,ومع استخدام الجماعات الإسلامية علي اختلافها التدين الشعبي كسبيل للسيطرة علي العقول مع بعض الخدمات للحصول علي أصواتهم في الانتخابات  والجملة المعتادة “أوقف عقلك لكي تؤمن”

فلماذا خلق الله لنا العقل إن كان ضد الإيمان,وبأي الأشياء تم استقبال,وتدوين الوحي !!!

من الأمراض السياسية والمجتمعية إلي الاغتراب الديني والهروب العاجز لنماذج مبتورة من الماضي المنتصر تعويضا للواقع المهزوم والنفسية المأزومة ….

وجاءت ثورات الربيع العربي لتفتح مساحات أوسع للتساؤلات,وتنادي بالمدنية وحرية الاعتقاد بما يشمل علي حرية الاختيار وعدم التأله علي البشر ومحاكمة النوايا والعقول

ومثلما خرج العفريت من القمقم,وخرجت الشعوب من مقابر الاستعباد والتبعية,

ورغم استمرار التحذير من انتشار الفكر الإلحادي في أوساط الشباب خاصة بعدما نظر الملاحدة للثورة علي إنها مساحة أوسع للحرية ونشر الفكر الإلحادي وزاد من صعوبة الأمر  صعود تيار الإسلام السياسي ممثلا في “الإخوان المسلمون” لسدة الحكم في مصر الموروثة

,ومثلما أكدنا سابقا فإن التشدد يقابله الانفلات   ,وقد ظل علماء الدين والقساوسة يؤكدون أن ظاهرة الإلحاد  ليس لها أي تأثير علي إيمانيات المصريين

706

 حتي خرج شيخ الازهر عن صمته معترفا بوجود ظاهرة لا ينبغي الصمت عليها ويجب مواجهتها ,ولكن حتي سبل مواجهة الأزهر والكنائس للظاهرة تزيد من توحشها لان  تعاليمهم ومحاولات تغيبهم للعقل وعبادتهم للسلاطين دون الإلهة ,وإقرارهم بالفواحش ,والتزوير ,والنفاق,والصمت في مواجهة الظلم جعل منهم دعاة علي بوابات الإلحاد وليس علي أبواب بيوت الله … والسؤال

  هل هناك حقًا 3 ملايين ملحد في مصر؟؟

وذلك بعد دراسة أمريكية صادرة عن مؤسسة “بورسن مارستلير” بنيويورك، كشفت أن عدد الملحدين في مصر وصل إلى 3% من عدد السكان، أي أكثر من مليوني ملحد، وفقًا لاستطلاع أجرته جامعة إيسترن ميتشيغان الأمريكية .

 وفسرت بعض وسائل الإعلام المصرية بأن عدد الملحدين ارتفع بشكل كبير خلال حكم الإخوان  مؤكدين في نفس الوقت أن هذا التزايد في صفوف الملحدين ليس له أي تأثير على الإسلام أو المسيحية في البلاد.

وحسب المؤشر العالمي للأديان والإلحاد بمركز «ريد سي» فإن 32.4٪ من ملحدي مصر في الفئة العمرية من 15 إلى 24 سنة و36٪ في الفئة العمرية (25- 34 سنة) و18.9٪ في الفئة العمرية (35- 44 سنة) و9.2٪ في الفئة العمرية (45- 54 سنة) وحوالي 2.5٪ في الفئة العمرية (55- 64 سنة) و1٪ أكثر من 65 سنة. وحسب أرقام ذات المركز فإن 73.8٪ من الملحدين ذكور و26.2٪ نساء.

التشريع المصري

الدستور المصرى

الدستور المصرى

ورغم أن المادتين (64) و(65) من الدستور المصري الجديد على أن حرية الاعتقاد مطلقة وأن حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أوالتصوير، فإن القانون المصري يعطي الحق في محاكمة أي مواطن بتهمة ازدراء الأديان، والتي تصل عقوبتها للسجن بين 3 إلى 5 سنوات، ويمكن استخدام هذا القانون ضد أي مواطن يعلن صراحة عن إلحاده، بل وتطبق هذه القوانين على كل من له آراء تخالف التفاسير المتفق عليها للنصوص الدينية، ومن المعروف ما حدث مع نصر حامد أبو زيد الذي تم تكفيره والحكم بتطليقه من زوجته بحكم صادر من المحكمة.

وقد رصدت ” المبادرة المصرية لحقوق الإنسان” 48 قضية تحت مسمى ازدراء الأديان فقط منذ اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011 حتى نهاية عام 2013.

ألبير صابر

ألبير صابر

ومن الأمثلة على هذه القضايا،اتهام ألبير صابر بازدراء الأديان،التي حكم عليه فيها بالحبس ثلاث سنوات في مطلع عام 2013؛لاتهامه بنشر صور الفيلم المسيء للرسول الكريم،على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي”فيس بوك”،ومن ضمن الاتهامات التي وجهتها له النيابة هي إعلان الإلحاد،وقد قال وكيل النائب العام في مرافعته:”المتهم الماثل أمامكم سيدي الرئيس أعلن كفره وإلحاده عبر محافل عامة،وجهر بأفكاره عبر شبكة المعلومات الدولية، واستباح لنفسه مالم يأت به السابقون أواللاحقون عليه في هذا المجال،وسب أنبياء الله المختارين وتهكم على الشعائر المقدسة وعلى الكتب السماوية، القرآن والإنجيل وكثيرمما حوته أوراق القضية تفصيلا،ومما يتنافى مع الفطرة الإنسانية السليمة بزعم حرية الرأي والتعبير 

 دميانة عبيد عبد النور

دميانة عبيد عبد النور

قضية أخرى في يونيه 2013 أصدرت فيها محكمة جنح مستأنف الأقصر بحبس المعلمة

 دميانة عبيد عبد النور،6 أشهر في دعوى اتهامها بازدراء الإسلام.وكانت محكمة جنح الأقصر الجزئية قد قضت في 11 يونيو 2013،بتغريم المتهمة مائة ألف جنيه،وإحالة الشق المدني للمحكمة المدنية المختصة، وذلك في الدعوى رقم 1647 لسنة 2013 جنح الأقصر.

وكانت هذه القضية هي الثالثة من نوعها في محافظة الأقصر خلال النصف الأول من عام 2013، فقد أصدرت نفس هيئة المحكمة- جنح مستأنف الأقصر- حكمًا في 13 أبريل الماضي في القضية رقم 672 لسنة 2014، برئاسة أحمد عبد المقصود بالحبس 6 أشهر لكلٍّ من: شهيرة محمد أحمد سليمان، وخليفة محمد خير، بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، وألزمت المحكمة المتهمينِ بدفع المصروفات.

التعامل مع الظاهرة

الشيخ أحمد عمر هاشم

الشيخ أحمد عمر هاشم

وتتعامل المؤسسات الدينية مع الإلحاد باعتباره مرضًا لابد من استئصاله،من خلال ندوات التوعية والخطب الدينية في الجوامع والكنائس،لكن يبدو أن هذه الوسائل أصبحت تقليدية ولا تستطيع مواجهة أسئلة الشباب عن الظواهر العلمية التي تتخطى حدود الميتافيزيقا.

ويرى الكثيرون أن أغلب رجال الدين غير مؤهلين علميًّا للتعامل مع أسئلة الشباب، فالشيوخ أو القساوسة متخصصون في المجالات الدينية وليس العلمية، وحين يتوجه إليهم أحد بسؤال حول

أمور غيبية لا يكون هناك رد من قبلهم، أو يكون الرد “لا تجادل ولا تناقش” يا أخونا الحبيب

وحاول الإعلام المستقل,وإعلام الدولة التحريض علي الملحدين الذين ينتمي أغلبهم إلي الإلحاد عن طريق التقليد ,والمظهرة وليس عن فكر وتساؤل,وإرتباك شعوري وعقلي,وفقدان ثقة تام في مختلف رجال الدين في دولة التجهيل والإفقار ,والتبعية العمياء,وتخيلنا جميعا أن الثورة جاءت بالنور لتمحوا الظلمات ,وجاءت بالعيش والحرية لتمحي الجوع والعبودية وجاءت بالعدالة والكرامة لتمحي الإفراط في التسلط والديكتاتورية,ولكننا كنا مثل الجريح الذي تناسي الجرح وعاش مع الحلم لحظة من الزمن ثم أعادته الإفاقة للواقع المرير بوقائعه المخزية

ويتعامل الإعلام مع الملحدين باعتبارهم مرضي نفسيين ,ويحتاجون إلي علاج للتخلص من الأفكار التي يعتنقوها أو كوباء ينبغي للمجتمع أن يتخلص منه,والمجتمع هو المسئول عنه!!!

,من هذه الأمثلة الفجة علي تعامل الإعلام المستهتر والتجاري مع أي ظاهرة  حلقة الإعلامية “ريهام سعيد” مع أحد الشباب الملحدين,ومعاملتها الغير مهنية ولا إنسانية مع الشخص المستضاف أيا كانت درجة إختلافنا معه ومع أفكاره فإن الإعلام القائم علي الشو الفارغ من المضمون والقائم علي اللعب والعبث علي أوتار العواطف الدينية أو العرقية أو الجنسية ماهو إلا إعلام موجه يعمل علي إستمرار تغيب وقتل الوعي وليس علي إثراء ثقافة التنوع وبناء مساحات أوسع للحوار والانفتاح علي مختلف الأفكار المغايرة

 وفي الاتجاه المعاكس بدأ الملحدون المصريون في الترويج لدعوتهم والتبشير بالإلحاد القائم علي الاقتناع والبحث,وكذلك بدأت محاولاتهم في بناء منابر الإعلام البديل لنشر ثقافة ,وأفكار,وتساؤلات الإنسان عن أصل الإله ورحلة الإنسان في هذا الكون

فقد أنشئ الملحدون راديو علي اليوتيوب,وصفحة علي الفيس بوك “البط الأسود” بجانب وكذلك العشرات من الصفحات التي تنشر أفكارهم بجانب بعض المقاهي والأماكن المفتوحة التي أصبحت معروفة بتردد الملحدين عليها,بجانب ظهور أول تنظيم رسمي للملحدين في الإسكندرية ,والمجاهرة العامة بالإلحاد ومواجهة الإله والبشر علي حد سواء …

الأمر ليس معركة بين الإيمان والكفر فالأمر أعقد بكثير وليست الخطورة هي في تخطي عدد الملحدين المصريين لما يزيد عن ثلاثة ملايين ولكن الإشكالية الأكبر إننا حتى الآن نزيد في أسباب الإلحاد ورفض الإيمان الإتباعي الذليل الذي أورثنا إياه الأباء والأجداد الذين استسلموا لعقلية وأفكار قامت علي تمكين الاستبداد والتبعية والإنصياع للحاكم أيا كانت أخطائه وضلالاته مادام يشهد بوجود الله… وكأن الصهاينة والأمريكان وحكومات مختلف الدول العربية العميلة يشكلون التدين والتملحد علي أهوائهم ووفقا لمصالحهم ولا وجود لشرائع أو ألهة,

 والأهم إرضاء أبناء العم سام وعدم الوقوف أمام مشاريع تقسيم المنطقة مذهبيا وطائفيا وعرقيا

فهل يمثل إلحاد الشباب رد فعل طبيعي علي جمود الأباء,ومظالم الحكام,وغياب العدل؟؟؟

 وهو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه في الحلقة القادمة من مقالة الإلحاد في مصر

 

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 13 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة موج الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

  • عصفور الطريق,,,جموع
  • عصفور الطريق,,,جموع
  • تامر خاطر
  • تامر خاطر
  • تامر خاطر
  • عصفور الطريق,,,جموع
  • عصفور الطريق,,,جموع
  • عصفور الطريق,,,جموع
  • عصفور الطريق,,,جموع