دبلوماسية عبد الناصر لم تسقط السودان .. لكنها سقطت فى عصر السادات ومبارك

كتب: مــــــــــــــوج

دبلوماسية عبد الناصر لم تسقط السودان .. لكنها سقطت فى عصر السادات ومبارك

هل أضاع “عبد الناصر” السودان وتسبب فى انفصاله عن مصر؟

انفصال السودان عن مصر من التهم التى يحاول خصوم “جمال عبد الناصر” إلصاقها به وبعهده.

 هل يراجع بعض الكتاب قراءة التاريخ أو فهمه لوجه الله والوطن بعيداً عن الجهل أو تصفية الحسابات.

دبلوماسية عبد الناصر لم تسقط  السودان .. بل سقطت السودان فى عصر دبلوماسية السادات ومبارك.

أكذوبة ضياع السودان فى عهد عبدالناصر.

عباس حلمى الثانى تنازل للعثمانيين عن العقبة وضبا والمويلح عام 1892.

عباس حلمى الثانى عقد أتفاقية الحكم الثنائى للسودان عام 1899.

عباس حلمى الثانى وافق على ترسيم الحدود بين مصر والسودان بخط عرض 22 وهو خط الحدود الحالى.

فؤاد تنازل لليبيا عن واحة جغبوب المصرية عام 1925.                                                  

                           ****************************************************

مع إثارة قضية حلايب وشلاتين وجه العديد من الكتاب- وآخرهم فاروق جويدة –  والأحزاب والجماعات المعادية للرئيس عبد الناصر – مثل الوفد والإخوان –  الاتهامات لثورة يوليو بأنها ارتكبت أكبر الخطايا بفصل السودان عن مصر، وأن السودان انقسم نتيجة تقصير الرئيس عبد الناصر عند مطالبته بجلاء الإنجليز عن مصر، إذ أنه فرط فى السودان رغم أن الحكومات المتعاقبه قبل الثورة كانت تتمسك بوحدة مصر والسودان.

 تماماً كما كان يروج لنفس المعنى بعض أنصار الحزب الوطنى البائد ظناً أن هذا يخفف من الهجوم على التقصير الذى تسبب فى انفصال جنوب السودان.

  وللأسف يصدق ذلك بعض الشباب الذى لم يعش تلك الفترة، كما أنه بعيد تماماً عن القراءه الصحيحه للتاريخ الذى يتلاعب به البعض، ويضلله من أجل مكاسب حزبية ضيقة او لتصفية أحقاد، أو للمداهنة(الخداع والغش).

وحدة مصر والسودان لايختلف عليها أحد، فهى ولدت مع فجر التاريخ ومازال شاهداً عليها بالسودان معبد “صلب” الفرعونى بالقرب من الجندل أو الشلال الرابع، الذى أقامه سونسرت الثانى  أعظم ملوك الفراعنة الذين اهتموا بالنيل، كما أقام بالقرب من المعبد مقياس للنيل عند بلدتى سمنه وقمنة .

بدأت أصوات الانفصال في الظهور مع الحرب الأهلية السودانية الأولى المسماه تاريخياً أنانيا أو تمرد أنانيا التي إمتدت من سنة 1955 حتى 1972 بين شمال السودان وبين جنوبه مخلفة أكثر من نصف مليون قتيل وكانت تطالب بمزيد من الحكم الذاتي الإقليمي .

مـصر عام 1952:
1- قام عددآ من الضباط المصريون (الضباط الأحرار) بعمل انقلاب عسكري بقيادة اللواء محمـد نجيب واستلموا السلطة بكل سهولة من فاروق الأول في يوم 23 يوليو 1952، وتـم ترحيل الملك السابق فاروق وزوجته ناريمان الي ايطاليا، وما ان رحل الملك واسرته وغابت باخرتهم عن الأنظار، الا وكانت هموم الضباط الأحرار كيف ستكون العلاقة مابين مصر والعالم.

طرح اللواء نجيب علي اعضاء مجلس قيادة الثورة سؤالآ يقول ( ثم ماذا بعد رحيل الملك وسلمنا تركة اسمها السودان؟..كيف نتعامل مع السودان؟..هل هو بلدآ مازال تابعآ لمصر في ظل نظامنا الجمهورى..ام للسودانيون رأيآ اخر ).

2- كانت وجهه نظر مجلس قيادة الثورة انه ولابد من (وحدة وادي النيل)، وان السودان لا يجب باي حال من الاحوال وان ينفصل ويصبح دولة حرة ذات سيادة، وان السودان لابد وان يتحد مع مصر.

دارت مناقشات طويلة بين الضباط الأحرار دون ان يشركوا احدآ من السودانيين – اي كان مركزه ووضعه السياسي- في مناقشاتهم.

كان المجلس يهدف اولاً الي مناقشة موضوع السودان فيما بينهم كمصريين واتخاذ موقفآ واضحآ يتفقون عليه قبل مناقشته مع الاحزاب السودانية التي كانت في ذلك الوقت تنادي بالاستقلال التام وجلاء القوات البريطانية والمصرية من البلاد.

3- قرر الرئيس محمد نجيب السفر للسودان بدعوي وجهها له إسماعيل الأزهري الذي كان يشغل وقتها منصب رئيس وزراء للحكومة المؤقتة، وتم تحديد موعد الزيارة للسودان في اليوم الأول من شهر مارس 1954، وهو اليوم الذي كان مقررآ فيه افتتاح البرلمان بالخرطوم، ودعوة الرئيس المصري كانت بهدف تعريف نجيب بوجهة نظر الاحزاب السودانية فيما يتعلق بموضوع الاستقلال، واثناء وجود نجيب ووفده بمطار الخرطوم وقعت احداثآ دامية بساحة المطار، وتقول تقارير وزارة الداخلية وقتها، ان مجموعات مسلحة تنتمي لحزب الأمة قد حاولت الدخول عنوة لداخل المطار بهدف اغتيال الرئيس نجيب والوفد المرافق له. 

وتقول تقارير اخري، ان الحاكم العام البريطاني بالخرطوم (روبرت هاو ) هو الذي دبر  وخطط بمساعدة جماعة الأخوان (الامام عبدالرحمن المهدي زعيم الانصار) وحزب الأمة لعملية الفوضي بالخرطوم واراقة الدماء حتي يتعلل لرؤساء الاحزاب السودانية وللقادة المصريين ان السودان بلدآ ( لـم ينضج بعد ) ومازالت الفوضي فيه سائدة.

فشلت زيارة محمد نجيب للسودان بعد ان اجتمع بكل رؤساء الوطنية وناقش معهم (مشكلة السودان) وكان هذا اسمه بالملفات المصرية الانجليزية، وجد نجيب ان كل من اجتمع معهم لايفضلون الوحدة ويطلبون حقهم في تقرير مصيرهم بلا ضغوطات او اغراءات من الخارج.

موقف السيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية كان واضحآ منذ اذاعة البيان العسكري المصري رقم واحد بانه يؤيد اتحاد السودان مع مصر،

4- رجع محمد نجيب للقاهرة واجتمع مع مجلس قيادة الثورة واطلعهم علي حقيقة الاوضاع في السودان ورأي قادة الاحزاب الذين يفضلون عدم الوحدة مع مصر.

في هذا الاجتماع بالذات غضب عبدالناصر من محمد نجيب غضبآ شديدآ وحمله تبعيات انفصال السودان، وان زيارته جلبت الوبال علي مصر والسودان، وانقسم اعضاء المجلس مابين المناصرون لنجيب والمعارضون لسياسته تجاه السودان من جهة، ومن جهة اخري معارضة ضد تصرفاته الضعيفة وميله لتنظيم (الاخوان المسلمين)، اشتدت حدة المواجهات بين الطرفين وكادت ان تعصف بانجازات 23 يوليو الاقتصادية، عندها لم يكن هناك حلاً امام مجلس قيادة الثورة الا عزل محمد نجيب من رئاسته ، وعزله من كافة سلطاته السيادية والعسكرية.

5- واستلم عبدالناصر كامل السلطات، وفتح بقوة ملف (مشكلة السودان).

السودان بعد الحرب العالميـة الثانية 1945:
1- عندما اشتعلت الحرب العالمية الثانية، طلبت الحكومة البريطانية من السودانيين ان يشتركوا معها في حربهم ضد قوات دول المحور(المانياـ اليابان ـ ايطاليا)، ووعدت بريطانيا بان تمنح السودان استقلاله كاملآ غير منقوص اذا مافازت في الحرب. وبالفعل، شاركت قوات سودانية( قوة دفاع السودان ) في حروب بالصحراء الليبية وفي كسلا وتسني.

وتحقق النصر وبدأت الاحزاب تناقش مع الحاكم العام وعود حكومته باستقلال السودان.

شعرت القاهرة ان الاحزاب السودانية جادة في نيلها (حق تقرير المصير) وراحت تناقش مع الحكومة البريطانية وتتجاهل مصر،

2- اتصل جمال عبدالناصر بعدوه السوداني اللدود الامام عبدالرحمن المهدي زعيم الانصار ( لقد قصدت وان اقول عدوه اللدود لان الامام ماكان اصلآ يحب المصريين ويكره وجودهم بالسودان) وطرح عليه فكرة السفر للقاهرة لمناقشة ملف السودان وبعيدآ عن البريطانيين، وعرض عليه مرة اخري الاندماج الفوري مابين البلدين بعد حصول السودان علي استقلاله، ولكن وفي كل مرة كانت اجابات الامام بالرفض،

3- شعرت الحكومة البريطانية ان الاحزاب السودانية تود وفي اقرب فرصة الحصول علي استقلالها، فدبرت مؤامرة تمرد (الحامية 18 بتوريت)، بهدف فصل الجنوب عن شماله، وبالفعل وقعت دامية في يوم 18 اغسطس 1955 راح ضحيتها شماليين كثر، وهي الحادثة التي دخلت تاريخ السودان باسم( حوادث الجـنوب )، وهنا شعرت القاهرة ان بريطانيا تحاول بكل الطرق سلمية كانت ام عسكرية التمسك بالسودان وعدم التفريط فيه، وكانت الحكومة البريطانية قد اقترحت علي الاحزاب انضمام السودان ل(رابطة دول الكمونولث) فرفضت كل الاحزاب الاقتراح البريطاني.

بعد مؤتمر باندونج بـ 18 أبريل 1955 توالت التصعيدات حتى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان السوداني فى 19 ديسمبر 1955 بدون أى إستفتاء شعبي ورفض بعد هذا الإعلان الاعتراف بأى إتفاقيات بين مصر والسودان خاصة الاتفاقيات الخاصة بالحدود وحصص مياه النيل .

لم تقف مصر مكتوفة الأيدي في مسألة السودان من قبل مؤتمر باندونج ، تم إسناد ملف السودان إلى صلاح سالم .

ولمن لا يعرف فصلاح سالم من مواليد السودان حيث أن والده كان يعمل هناك فتعلم في كتاتيب السودان وظل مرتبطاً بها حتى بعد إنتقال العائلة إلى القاهرة .

استطاع صلاح سالم توحيد الأحزاب السودانية التي كانت على خلاف دائم في شمال السودان ، وانتقل إلى عملية تمهيدية لضحر الخلاف بين شمال وجنوب السودان لتحقيق الارتباط بين مصر والسودان بعد انسحاب بريطانيا المتوقع  في 1956 .

فكان أول مسئول مصري يسافر إلى جنوب السودان 1952 وقد أراد إستمالة قبائل الجنوب فرقص معهم رقصة الحرب عاريا.

نشرت الصورة في صحيفة أخبار اليوم الأسبوعية بتاريخ 10 يناير 1953 وكتب أسفلها ”  رحبت قبائل الدنكا في جنوب السودان بالبعثة المصرية وقامت بمظاهرة ضخمة . وعندما زارت البعثة القبيلة في غابتها ، دعا شبان القبيلة الصاغ صلاح سالم ليرقص معهم رقصة الحرب  ”

وانفصلت السودان بالنهاية بسبب خنوع إسماعيل الأزهري المتحالف مع الإخوان وبريطانيا وتلك الصورة بتاريخ 1 يناير 1956 للشعب السودانى يحتفل بإستقلال السودان رافعا شعارات حزب الأمة وبعض لافتات الإخوان.

لنراجع معاً بعض الحقائق التاريخية عبر السطور التالية:

بعد 17 سنة من الاحتلال البريطانى لمصر عام 1882 ،وُقعت إتفاقية الحكم الثنائي للسودان بين مصر وبريطانيا في 19 يناير عام 1899، وقد وقعها عن مصر بطرس غالي وزير خارجيتها في ذلك الحين، وعن بريطانيا اللورد “كرومر” المعتمد البريطاني لدى مصر، ونصت المادة الأولى من الإتفاقية على أن الحد الفاصل بين مصر والسودان هو خط عرض 22 درجة شمالاً، وما لبث أن أُدخل على هذا الخط بعض التعديلات الإدارية بقرار من وزير الداخلية المصري بدعوى كان مضمونها منح التسهيلات الإدارية لتحركات أفراد قبائل البشارية السودانية والعبابدة المصرية على جانب الخط، وقد أفرزت التعديلات فيما بعد ما عُرف بمشكلة حلايب وشلاتين والتى تثار حتى الأن بين الحين والأخر من الطرف السودانى.

إسماعيل الأزهرى رئيس الحزب الإتحادي الديمقراطي ، نجح البريطانيون والأخوان فى إغواؤه بأبهة الرئاسة واستقلال السودان فتحول من وحدوي إلى انفصالي ، وما حدث في مؤتمر باندونج لدول عدم الانحياز عام 1955 هو خير دليل على رفض الرئيس عبد الناصر لإنفصال السودان ومحاولته عرقلته بكل السبل. 

خلال المؤتمر ذهب وفد السودان برئاسة اسماعيل الأزهري لحضور المؤتمر ومعه مبارك زروق و حسن عوض الله وخليفة عباس، وجاء الوفد المصري برئاسة جمال عبد الناصر ،واعترض جمال عبد الناصر على أن يكون الوفد السوداني مستقلاً ،وطلب من الوفد السوداني أن يجلس في المؤتمر خلف الوفد المصري باعتباره جزءاً من مصر ،فرفض إسماعيل الأزهري ،وقال له “نحن على أبواب الاستقلال وسنكون دولة مستقلة ولابد أن نمثل الشعب السوداني لأن هذا المؤتمر يمثل الشعوب”،فرفض عبد الناصر ذلك.

فتدخل الرئيس الصينى وقال للأزهري «أنتم بلا علم يمثلكم وعليكم بالجلوس خلف العلم المصري» ، فتدخل عضو الوفد السودانى مبارك زروق على الفور وقال: نحن لدينا علم وأخرج منديله الأبيض من جيبه ،وقال هذا هو علمنا بعد أن وضعه على رأس قلمه ، وجلس وفد السودان بزعامة الأزهري منفردين عن الوفد المصري.

وما زال هذا المنديل حتى الأن موجوداً فى المعرض المقام عن مؤتمر دول عدم الإنحياز في باندونج بأندونيسيا.

وقد غضب الرئيس عبد الناصر من ذلك الموقف ،وعندما تم الاستفتاء على الوحدة أم الانفصال  ، قام النواب السودانيون بالتصويت بالإجماع لصالح الانفصال عن مصر.

الزعيم جمال عبدالناصر فى عيون السودانيين.

بعد هزيمة 67 عقد مؤتمر قمة للدول العربية بالخرطوم وكان بومدين غير مقتنع بمؤتمرات القمة ويراها ليست ذات جدوى إلا أن مؤتمر الخرطوم حقق نجاحا ذا قيمة في وقته.

وأهم ما حدث في المؤتمر هو الاستقبال الشعبى السودانى لرئيس منهزم على أرضه وكان الموقف في حد ذاته هو إختبار لشعبية عبدالناصر الإقليمية .

تم التحدث لطائرة الرئيس المصرى أن طائرة الملك فيصل أمامه ولكن يوجد تعليمات بأن تهبط طائرة الرئيس المصرى أولا . عندما علم ناصر أمر أن يتم تبليغ المطار أنه لا يوجد مشكلة من هبوط طائرة فيصل أولا ، إلا أن مطار الخرطوم أصر على نزول طائرة الرئيس المصرى أولا .

وبالفعل نزلت طائرة عبدالناصر وتمت مراسم إستقباله بينما طائرة الملك فيصل تحط على أرض مطار الخرطوم ، هنا لاحظ جمال عبدالناصر أن إسماعيل الأزهري ورئيس وزرائه يرجوانه فى الانتظار لان تتم مراسم إستقبال الملك فيصل ويخرجان معا فى سيارة واحدة مما له أثر جيد على الجماهير المستقبلة ولكن عبدالناصر اعتذر بعد تفكير سريع . مع إصرار عبدالناصر على رأيه أبدى الأزهري أنه لن يستطيع مرافقته نظرا للبرتوكول في أنه يجب أن يستقبل الملك فيصل أيضا فتفهم عبدالناصر الموقف وخرج من المطار وهنا كانت المفاجأة شلال عارم من البشر فى إستقبال رجل واحد ، كانت الجماهير السودانية فى إنتظار عبدالناصر على إمتداد الطريق حتى بعد خروج فيصل والأزهري من خلف عبدالناصر كانت الجماهير تسير وراء موكب عبدالناصر حتى الفندق هاتفة له بالإصرار على النصر وعند وصول الملك فيصل إلى الفندق كانت صيحات الجماهير “وراء جمال يا فيصل” .

كان لهذا المؤتمر ردة فعل دولية حيث تصدرت أخباره معظم الصحف العالمية حتى أن جريدة نيوزويك الأمريكية كتبت تحت صورة الغلاف ” إنها أول مرة يقابل فيها المهزوم بأكاليل الغار من جماهير أمته ”

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة شبكة موج الإخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.